العيني

22

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

وحده برسم ركوبه وخدمته ، ولم يسمع منهم فركبه ، فلما قعد على ظهره ألوى عنانه نحو العدو وقال للأمراء : من أراد الشهادة فليتبعني ، فرجعت الأمراء إليه وسألوه أن يرجع فأبى وقال : والله كنت منتظراً لهذا اليوم ، وقال له الأمير علم الدين الدواداري - وكان قد خرج في مواضع كثيرة - : يا أمير أنت اليوم قوام العسكر وأتابكه ، وما فينا أحد إلا وقد جرح جراحات ومعظم مماليكنا قد قتلوا ، وما يحل أن تلقي نفسك في التهلكة ، فلم يلتفت إليه ، بل قال : يا أمير ما بقي فينا شئ ، فهل تنتظر خلاف هذا اليوم ؟ فتقدم نحو العدو ، واتفق رأى مماليكه على منعه وساق بعضهم إليه وأخذ برأس فرسه إلى نحو حمص وبعضهم ضرب كفل فرسه بالمقرعة ، فخرج من تحته مثل البرق الخاطف ، وأرادوا بذلك إبعاده عن الفرس حتى يأخذوا بعنانه ويتوجهوا إلى طريق النجاة ، فلما أحس الفرس بالضرب فر مثل الريح العاصف حتى لم يروا منه إلا غباره ، ولم يزل يجري على ميدان واحد إلى أن وصل إلى نهر حمص ، فقوى عليه العطش من كثرة الجري وشدة العدو إلى أن أرمى نفسه في النهر ، وشرع يعب من الماء ، وأمير سلاح ماسك بيديه الشنن رافعه على أن يرفع رأسه من الماء فلا يرفع ، فشرب حتى انتفخ فؤاده ، ثم طلع من النهر ووقع طائحاً وقد انفقع من شرب الماء ، فلحقه مماليكه وأركبوه جنيباً آخر ، فكان هذا يعد من حسناته حيث اشترى فرساً بمأتي ألف درهم لركوب ساعة واحدة .